المقالات


نبذ الخلاف

الأربعاء 09 رجب 1433 هـ , 30 مايو 2012
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناس بغضاً للخلاف ، وأكثرهم بعداً عنه ، ونبذاً له ، إيثاراً لوحدة الكلمة ، ورغبة في رأب الصدع ولمّ الشمل .
فالخلاف سببٌ للضعف والهوان ، وطريقٌ للفشل والخذلان ، وهو مَحْق للبركة ، وذهاب للقوة ، واستعجال للزوال ، ولذا كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم ينزل عن رأيه وحظِّ نفسه ، وقد يترك الفاضل ويصير إلى المفضول ، تحقيقاً لوحدة الصف ، وجمع الكلمة ، ونبذاً للشر.
جاء بعض التابعين إلى أبي ذر رضي الله عنه وهو بمنى في موسم الحج ، فقالوا له : إن عثمان رضي الله عنه صلى أربعاً (أي أتم الصلاة الرباعية بمنى ولم يقصر كما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم) ، فاشتد ذلك على أبي ذر رضي الله عنه ، وقال قولاً شديداً ، وقال : صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين ، وصليت مع أبي بكر وعمر رضى الله عنهما (أي صلوا كذلك ركعتين) ، ثم قام أبو ذر رضي الله عنه فصلى أربعاً ، فقيل له: عِبْت على أمير المؤمنين شيئاً ثم تصنعه ، فقال : الخلاف أشد.
وقال قتادة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان صدراً من خلافته كانوا يصلون بمكه ومنى ركعتين (أي يقصرون الصلاة الرباعية) ، ثم إن عثمان رضي الله عنه صلاها أربعاً ، فبلغ ذلك ابن مسعود ، فاسترجع ، ثم قام فصلى أربعاً ، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعاً ؟ فقال : الخلاف شر.
وروى عن علي رضي الله عنه قوله: اقضوا كما كنتم تقضون ، فإني أكره الخلاف حتى يكون للناس جماعة ، وأموت كما مات أصحابي .
إن نبذ الخلاف وكراهية الفرقة من أبرز سمات الرعيل الأول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لعلمهم بما يجره الخلاف من خطر وشر وخيم ، في أمر قد جعل الإسلام فيه سعة ، ولحرصهم على مصالح الأمة العامة ، وإن كانت على حساب مصالحهم الخاصة ، رغبة في الدار الأخرة .

وانظر موقف الصحابي الجليل الإمام القدوة عبدالله بن عمر ، يوم أن خطب معاوية رضى الله عنهم جميعاً ، فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر (أي أمر الخلافة) فليطلع إليّ قرنَه ، فنحن أحق بذلك منه ومن أبيه - يُعرض بابن عمر رضي الله عنهم أجمعين -

قال ابن عمر : (فحللت حَبْوتي فهممت أن أقول : أحق بذلك منك ، مَن قاتَلَك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمةً تفرق الجمع ، ويسفك فيها الدم ، فذكرتُ ما أعد الله في الجنان).
عدد الزيارات :  4386