المقالات


خلاف بلا خلاف

الأربعاء 09 رجب 1433 هـ , 30 مايو 2012
عجبت لمن يقف على حديث عمرو بن العاص الذي أخرجه الشيخان ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا حكم الحَاكِمُ فاجتهدَ فأصابَ ، فلهُ أجران، وإِذا حَكَمَ فاجتهد فأخطأ ، فله أَجر) ، ثم هو بعد ذلك مصر على الإنكار على من خالفه في مسألة اجتهادية ، يظن أن الحق فيها معه وحده ، دون أن يعذر مخالفه بترك التشنيع والإنكار عليه ، وجعله في عداد المجتهدين المخطئين ، الذين أثبت لهم النبي صلى الله عليه وسلم عفواً كاملاً ، وأجراً واحداً .
والأعجب من هذا مايحدث بين المختلفين من وحشة ونفور ، وحقد وبغضاء ، وهجر وقطيعة ، بل قد يصل الأمر إلى الطعن في الأعراض ، واتهام النيات والسرائر .
عجباً لكل هذا ، فقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يختلفون في مسائل ، فلا تختلف قلوبهم ، ولا تتنافر نفوسهم ، ولا يفسد الخلافُ الودَّ بينهم .
فقد اختلف أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم يوم بني قريظة في صلاة العصر أين تصلى ، لاختلافهم في فهم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يسافرون في رمضان ، فمنهم الصائم ومنهم المفطر ، فلا يعيب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم .
واختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في مسائل كثيرة من مسائل الاجتهاد ، ولكن هذا الخلاف لم يصل إلى القلوب ولم يفسد النفوس ولم يجلب الحقد والبغضاء .
فقد عهد أبوبكر بالخلافة إلى عمر رضي الله عنهما ، ولما كُلم في ذلك قال : أقول لربي : اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك .
وقيل لعمر رضي الله عنه : أنت خيرٌ من أبي بكر، فأجهش بالبكاء وقال : والله لَلَيلة من أبي بكر خيرٌ من عمر وآل عمر .
وقال يونس الصدفي : مارأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة ، ثم افترقنا ولقيني ، فأخذ بيدي ثم قال : ياأبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة .
قال الذهبي : هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام ، وفقه نفسه ، فما زال النظراء يختلفون .
وقال الإمام أحمد : لم يعبر الجسر إلى خرسان مثل إسحاق ، وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً .
فإلى أصحاب العقول الكاملة ، والنفوس الفقيهة ، أهدي هذه المواقف وتلك المقالات . 


عدد الزيارات :  4997